ناصر بن الحسن الشريف الكيلاني

532

مجمع البحرين في شرح الفصين ( حكم الفصوص وحكم الفتوحات لابن عربي )

هذه الدار الدنيا بجسده وحقيقته ، فهو الذي يحفظ به هذا النوع الإنساني ، وهو موجود في هذا النوع في هذه الدار بجسده وروحه ، يتغذّى وهو مجلّي الحق من آدم إلى يوم القيامة . ثم قال رضي اللّه عنه فيها : إن هذه المسألة كليّة فاعرف قدرها ، إنك لست تراها في كلام أحد ، ولولا ما ألقي عندي في إظهارها ما أظهرتها لسرّ يعلمه اللّه ، ولا يعرف ما ذكرناه إلا نوّابهم خاصة لا غيرهم من الأولياء ، فكونوا لها قابلين مؤمنين ، ولا تحرموا التصديق بها ، فتحرموا خيرها ، وتجمعوا بين الحرمانين . انتهى كلامه رضي اللّه عنه . فالقائل ببقاء العالم كافر بقوله تعالى : كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [ القصص : 88 ] ، وجاهل بالحديث الشريف : « كان اللّه ولا شيء معه « 1 » » ، وزاهل بملحقه ، وهو الآن كما كان ، وغافل عن تجدّد الأمثال . والقائل بفناء العالم جاحد قوله سبحانه : وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ [ الرحمن : 27 ] ؛ لأنّه وجه كل شيء كما أنّ كل شيء وجهه ؛ فهو وجه العالم في الوجود ، والعالم وجهه في الظهور عند الرؤية والشهود ، فالكل بحمد اللّه وجوه حسنة ، وما ثم في الوجود إلا اللّه ، فله دوام الحمد والثناء في الآخرة والأولى ، فافهم ذلك بالذوق الحال ، فإنّ فهمه بالنظر والخيال محال . وقد علمت من الأحاديث أنّ القيامة الكبرى لها أشراط ؛ كخروج الدجّال ، ويأجوج ومأجوج وأمثالها ، وأمّا القيامة الصغرى ؛ فانتقال العبد من حياة الدنيا إلى حياة البرزخ في الجسد الممثّل ، فهو انتقال ومرور من حال إلى حال بالجذبة الإلهية والعناية الرحمانية ، يحكم تربية الحكيم العليم سواء كان سالكا مجذوبا ، أو مجذوبا سالكا وبلا سلوك . فإنّ الجذبة : هي العناية ، فلهذا جذبة من جذبات الرحمن توازن عمل الثقلين ؛ لأنّ

--> ( 1 ) رواه الحاكم في المستدرك ( 2 / 371 ) ، والطبري في تفسيره ( 12 / 4 ) .